ابن قيم الجوزية
9
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
وكيف طاب العيش في هذه الدار ، بعد سماع أخبارها ، وكيف قر للمشتاق القرار ، دون معانقة أبكارها ، وكيف قرت دونها أعين المشتاقين ، وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين ، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين ، وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين . ( شعر في وصف الجنة ) وما ذاك إلا غيرة أن ينالها * سوى كفئها والرب بالخلق أعلم وإن حجبت عنا بكل كريهة * وحفت بما يؤذي النفوس ويؤلم فلله ما في حشوها من مسرة * وأصناف لذات بها يتنعم وللّه برد العيش بين خيامها * وروضاتها والثغر في الروض يبسم وللّه واديها الذي هو موعد المز * يد لوفد الحب لو كنت منهم بذيالك الوادي يهيم صبابة * محب يرى أن الصبابة مغنم وللّه أفراح المحبين عندما * يخاطبهم من فوقهم ويسلم وللّه أبصار ترى اللّه جهرة * فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة * أمن بعدها يسلو المحب المتيم وللّه كم من خيرة إن تبسمت * أضاء لها نور من الفجر أعظم فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت * ويا لذة الأسماع حين تكلم ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت * ويا خجلة الفجرين 1 حين تبسم فإن كنت ذا قلب عليل بحبها * فلم يبق إلا وصلها لك مرهم ولا سيما في لثمها عند صمها * وقد صار منها تحت جيدك معصم تراه إذا أبدت له حسن وجهها * يلذ به قبل الوصال وينعم تفكه منها العين عند اجتلائها * فواكه شتى طلعها ليس يعدم عناقيد من كرم وتفاح جنة * ورمان أغصان به القلب مغرم وللورد ما قد ألبسته خدودها * وللخمر ما قد ضمه الريق والفم تقسم منها الحسن في جمع واحد * فيا عجبا من واحد يتقسم لها فرق شتى من الحسن أجمعت * بجملتها إن السلو محرم تذكر بالرحمن من هو ناظر * فينطق بالتسبيح لا يتلعثم إذا قابلت جيش الهموم بوجهها * تولى على أعقابه الجيش يهزم